محمد غازي عرابي

919

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

من هذه الصفات من كل زوجين اثنتين ، فالعارف في رحاب اللّه وفي كنفه ، وهو في خفض من العيش ، وفي جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين . [ سورة غافر ( 40 ) : آية 12 ] ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ( 12 ) [ غافر : 12 ] دعوة الناس إلى التوحيد عمل شاق وعظيم ، ذلك أن الإنسان خرج إلى هذه الدنيا فلم ير من حوله إلا الصور فعلقها واعتمدها أسبابا لمسببات لا بديل لها ، والكثرة الكاثرة من الناس ، وإن كان منهم مؤمنون ، لا يبغون عن هذه الصور حولا ، فهذه الصور حية فعالة محسوسة ، فكيف يرغب الإنسان عنها إلى اللّه ، واللّه في نظر الكافرين أسطورة ، وفي نظر المشركين عاطل عن القوى لا حول له ولا قوة ، وفي نظر المنافقين بعيد وعالم في السماوات . [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 13 إلى 14 ] هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وَما يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَنْ يُنِيبُ ( 13 ) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ( 14 ) [ غافر : 13 ، 14 ] لا آية أعظم من النفس ، ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( من عرف نفسه عرف ربه ) ، وقال سبحانه : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ ( 21 ) [ الذّاريات : 21 ] ، فهذه الآية شمس الوجود المضيئة نظر إليها أخناتون الموحد فآمن ، ومع هذا فالنفس ذاتها أعظم حجاب وأكثف حجاب إن لم يتجاوز الإنسان هذا السور ويرى حقيقته ، فالناس جميعا ، أخيار وأشرار ، خلف هذا السور من الأنا ولا يعلمون ، يعلمون ظاهرا من الأمر ، ويجهلون أن اللّه في النفس ، وأنه بها محيط . [ سورة غافر ( 40 ) : آية 15 ] رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ ( 15 ) [ غافر : 15 ] الروح روح الوجود ، وهو مستتر في العقل الإنساني كما أسلفنا الكلام ، وعن طريق الغريزة لدى الحيوان ، وعن طريق قوانين الطبيعة في النبات وعالم الطبيعة ، وعن طريق الذرات في عالم الذرة ، أما كونه عليما علاما فلأنه فتق العلوم في الإنسان عن طريق الفكر ، أي عن طريق النظر الفكري والاستدلال والاستنتاج والتجريد ، وهناك طور آخر لهذا الروح العالم وفيه يظهر للإنسان من ذاته كوجود آخر مغاير كلي ، عالم الغيب ، لا زمان له ولامكان ، متعال غير محدود ، يعلم الإنسان ما لم يعلم ، وهذا هو العلم النبوي اللدني الذي رفع اللّه به الأنبياء والعارفين فوق الناس درجات ، إذ آتاهم هذه الأنوار العلمية ، فكانت الأنبياء مشرعين للوجود ، وقد تحدثنا عنه من قبل فالعرش القبضة النورانية لدى انتشار أنوارها ، أو هي السديم الأول الذي انفجر وتكثف ، فكانت الشموس والكواكب والنجوم ثم كانت الحياة على الأرض ، ثم